سينما «كولورادو»… ذاكرة طرابلس برسم البيع
تختصر سينما «كولورادو» مسار تآكل ذاكرة طرابلس ومحو تاريخها الحديث، بعدما تحوّلت من واحد من أبرز معالم المدينة الثقافية إلى مشروع تجاري، فيما يجري تفريغها من مقتنياتها وبيع مقاعدها، رغم قيمتها المعمارية والتاريخية.


تختصر سينما «كولورادو» مسار تآكل ذاكرة طرابلس ومحو تاريخها الحديث، بعدما تحوّلت من واحد من أبرز معالم المدينة الثقافية إلى مشروع تجاري، فيما يجري تفريغها من مقتنياتها وبيع مقاعدها، رغم قيمتها المعمارية والتاريخية.
في طرابلس، كما في لبنان، يتكشّف مسارٌ ممنهج لتحويل المنابر الثقافية والفنية والتاريخية إلى مشاريع لدرّ الربح السريع، حتى لو جاء ذلك على حساب ذاكرة المدينة وتاريخها. في مدينة اعتادت أن تكون مساحة حياة ومعنى، تتحوّل المعالم الثقافية إلى سلع، وتُختزل الذاكرة في عبء، فيما يصبح الدفاع عن التراث معركة غير متكافئة بين ما كان يوماً هويةً نابضة، وما يُراد له أن يكون واقعاً استهلاكياً بلا روح.
من سينما إلى محل ثياب
من بين هذه المعالم، تختصر سينما «كولورادو» مأساة مدينة بأكملها. تأسست السينما في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وصمّم شكلها الهندسي المهندس الراحل جورج دوماني. كانت تتسع لنحو 900 كرسي، وتضم «الأوركسترا» و«البلكون» و«البنوار»، وبناها وهيب النيني، قبل أن تنتقل ملكيتها إلى أحمد حبوس وبسام الدية.
الورثة قاموا لاحقاً ببيعها إلى أحمد وعمر المصري، اللذين يعملان اليوم على تحويلها إلى فرع جديد لمحلات الثياب والأدوات المنزلية «الدورادو». داخل هذه القاعة، تختبئ جدارية عمرها سبعون عاماً، شاهدة على زمنٍ كانت فيه السينما قلب المدينة النابض. المالك يعمل على تفريغ السينما من مقتنياتها، وقد تم بيع الكراسي مقابل دولار واحد لكل كرسي.
محاولات الإنقاذ
المخرج والمنتج اللبناني إلياس خلاط يطرح في حديثه مع «الأخبار» سؤال حدود الملكية الخاصة في لبنان، إذ إنها محمية بالقانون، فيما يترك التراث عرضة للتفريغ والهدم. يقول إن هذا البلد يستحق صالة سينما تم الحفاظ عليها، مشيراً إلى أن طرابلس شهدت إقفال نحو 33 صالة سينما تاريخية.
بالنسبة إليه، كانت سينما «كولورادو» جميلة هندسياً، ولم يكن هناك مثلها في ذلك الوقت. بعد نشره منشوراً على فايسبوك عن السينما، تواصل معه وزير الثقافة غسان سلامة وطلب مقابلته. خلال اللقاء، طرح مستشاره جاد تابت تصنيف المبنى على لائحة الجرد العام بشكل سريع، وهو ما يتطلب نقل الموضوع إلى مديرية الآثار. بدورها، أرسلت المديرية كتاباً إلى بلدية طرابلس طلبت فيه العمل على جردة بالموجودات، إلا أن المالك الجديد يعمل بسرعة على إفراغ السينما من محتوياتها.
تاريخ إقفال السينمات في طرابلس يعود إلى أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، لكن سينما «كولورادو» كانت الوحيدة التي جُدّدت بعد الحرب. لاحقاً، تغيّرت تقنيات العرض التقليدية إلى الرقمية، ولم تتجدد هذه الآليات في صالات السينما في طرابلس، ما فرض استثماراً إضافياً يقارب مئة ألف دولار، وكان ذلك السبب الرئيسي لتوقف هذه الصالات عن العمل.
تراجع الطلب، وانتشر الفقر في المدينة، وظهرت سبل ترفيه أخرى، فيما باتت صالات السينما التي تضم 800 و900 كرسي كبيرة جداً على واقع المدينة الجديد. عام 2015، حاول إلياس خلاط استملاك السينما، لكن المالك طلب يومها مبلغ مليون دولار، وهو رقم اعتُبر خيالياً.
تراث طرابلس الثقافي في خطر
رئيسة جمعية «تراث طرابلس» جمانة الشهال ترى أن مشكلة التصنيف تكمن في أنه «يخرب» داخل القاعة، ويفرغها من محتوياتها وتفاصيلها التراثية. المبنى غير مصنف على لائحة الجرد العام بسبب عدم تجاوب الوزراء السابقين، فيما يؤدي تفريغ المبنى إلى تعقيد عملية التصنيف. تشير الشهال إلى أن مشروع «ألو طرابلس»، الذي يشبه مشروع «ألو بيروت»، كان يهدف إلى تحويل المكان إلى متحف للسينما والثقافة، وقد حظي بقبول من المالك لتنفيذه، إلا أن المشروع توقف بسبب الحرب.
وتقول «حتى لو كانت الذريعة الملكية الخاصة، فهذا لا يعني تدمير ما بناه أجدادنا واستبداله بمشاريع استهلاكية». بالنسبة إليها، من الضروري أن تضع وزارة الثقافة يدها على مقتنيات السينما، وجمعها في مكان واحد للحفاظ على ذاكرة العصر الذهبي، لكن ما يجري اليوم هو انقراض لهذه الذاكرة. وتضيف «التراث يسقط يوماً بعد يوم، والجهل يسيطر على أجمل الأشياء في طرابلس». لذلك تدعو إلى إطلاق حملة لحماية ما تبقى من صالات السينما، ومن خلالها حماية تراث المدينة كله، «وإلا فليأتوا ببلدوزر ويجرفوا المدينة كلها ويبنون مدينة «بشعة» جديدة».
وتتساءل الشهال عن جدوى هذه الاستثمارات التي لا تضيف شيئاً للمدينة، وتطرح ضرورة التفكير بمسار جديد للتراث، والمحافظة عليه ومنع هدمه والاستفادة منه سياحياً واقتصادياً وثقافياً، مؤكدة وجود إرادة قوية لطمس التراث والهوية، ومطالبة بمعرفة الأسباب ومن المستفيد من ذلك.
الأولوية حماية المقتنيات
من جهتها، تطرح مديرة مهرجان عمّان ندى دوماني سؤالاً جوهرياً: هل تأخرنا كثيراً؟ وترى أن الأولوية اليوم تكمن في الحفاظ على المعالم المعمارية للمكان ومقتنياته، حتى لو تغيّرت وظيفته. تشير إلى أن كراسي القاعة ما تزال بحالة ممتازة، وأن خشبها من السنديان، فيما تُعد الجدارية والأفلام القديمة والدرج والدرابزين وغيرها من التفاصيل عناصر تراثية تستحق الحماية. وتؤكد أن الدور الممكن لوزارة الثقافة يتمثل في تسريع عملية تصنيف المعالم المعمارية والمقتنيات داخل القاعة.
تستعيد دوماني ذاكرة نشأة السينما في أواخر خمسينيات القرن الماضي، حين كانت تجمع بين اتساع المساحة ودفء الحميمية. والدها، الذي صمّم شكلها الهندسي من الداخل والخارج، كان يردد دائماً فخره بها، معتبراً إياها أهم إنجازاته الهندسية.
وتقرّ بأن تغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمدينة يبدو مهمة شبه مستحيلة، لكن الحفاظ على تفاصيل صغيرة قد يكون السبيل الأخير لحماية روح المدينة. فإذا استمر المسار الحالي، لن يبقى شيء من حقبة ما بعد 1950 في طرابلس. فهذه المعالم ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل مسؤولية تاريخية تجاه الأجيال المقبلة، لمعرفة الشكل المعماري الذي عرفه البلد، قبل أن يتحول محو التاريخ الحديث للمدينة إلى حقيقة نهائية.
في طرابلس، لا يبدو الخطر مقتصراً على مبنى واحد، بل على فكرة المدينة نفسها. حين تُترك المعالم الثقافية لمصيرها، وتُترك الذاكرة بلا حماية، يصبح الماضي عبئاً لا قيمة له، ويصبح المستقبل بلا جذور. سينما «كولورادو» تقف اليوم على حافة التحوّل النهائي، بين ذاكرة تُمحى ومشروع جديد بلا روح. وبين الاثنين، تقف طرابلس كلها، مدينة تبحث عن نفسها في زمن الانهيار والتحوّل، وتكاد تفقد آخر ما تبقى من تاريخها الحديث.


